جلال الدين السيوطي
224
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ويقال إنّه لم يكن في تلاميذ أبي علي أنبه منه في علم العربيّة ، وكان حسن الطريقة حميد السيرة مشكورا بين أهل زمانه ، خرج من إشبيلية فارّا من الإحصار ، فوقع في الإسار ، وحمل إلى برشلونة ، ولحقه وله كثير على كتبه حتى سمح له بكتاب سيبويه منها ، وعمل رسالة في محرّم سنة أربعين وستمائة ، وهو في الأسر بعث بها إلى ملك إفريقية الأمير الفاضل العالم أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص الهنتاتي تتضمّن أنّه إن هوّن عليه وخرج من أرض الروم فإنّه يضع على كتاب سيبويه تأليفا ، وذكر من وعوده أنّه في الرسالة ما يعجز عنه أهل عصره ، وشرح في الرسالة بعض أبواب الكتاب ليدلّ بها على مغزاه ، فلما وصلت للأمير أبي زكريا أخرجه من الأسر ، ولما حلّ تونس كمّل هذا الكتاب ، فجاء كتابا لم يوضع مثله ، وأبدع منه غرائب لم يسبق إليها ، ولا زاحمه أحد من معاصريه عليها ، وعجائب لم يسمح خاطر غيره ممن تقدّم عليه أو تأخّر عنه بها ، وصنّف أيضا كتابا في الإمامة ، وكتابا في حكم السماع ، وكتابا كبيرا في علم القوافي ، واختصر خصائص ابن جنّي ، ومستصفى الغزاليّ ، وله على مشكلاته حواش ، وسرّ الصناعة ، وله حواش أيضا على مشكلات الإيضاح ، والتكملة ، وتأليف صغير في قوانين المصادر ، وكتاب جمع فيه شعر الأمير أبي زكريا ، وشرحه ، ونقود على صحاح الجوهريّ ، وعلى مقرّب ابن عصفور ، بلغ فيه إلى باب إنّ ، وهو أزيد من عشرة كراريس في مقسوم القالب الكبير المغربيّ ، وغير ذلك من التصانيف . توفي بأرض بسكرة في خلافة المستنصر أبي عبد الله محمد بن الأمير أبي زكريا ، وصلّى عليه المستنصر ، وتأسّف على فقده ، ولم يكن عند المستنصر من صنف العلماء أحد أقرب منه . وقال الأدفويّ في البدر السافر في ترجمته : برع في لسان العرب حتى لم يبق فيه من يفوقه أو يدانيه .